نهله علي تكتب :الهيبة الامريكية والتحدي الايراني
منذ عقود، قامت الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط على فكرة أساسية مفادها أن القوة الأمريكية قادرة على حماية الحلفاء، وردع الخصوم، ومنع أي طرف إقليمي من تهديد المصالح الأمريكية أو الاقتراب من خطوط النفوذ التقليدية لواشنطن. لكن ما جرى خلال السنوات الأخيرة، ثم ما تصاعد بصورة أوضح في المواجهات الأخيرة مع إيران وأذرعها، كشف أن معادلة الردع الأمريكية لم تعد تعمل بالكفاءة نفسها التي كانت عليها في السابق.
إيران لم تنتصر عسكريًا على الولايات المتحدة بالمعنى التقليدي، لكنها نجحت في شيء أكثر خطورة: كسر الهيبة الأمريكية، وإثبات أن استهداف المصالح والقواعد الأمريكية لم يعد يقود بالضرورة إلى رد أمريكي حاسم يغيّر قواعد اللعبة.
فالقواعد الأمريكية المنتشرة في العراق وسوريا والخليج تعرضت مرارًا لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة، والرد الأمريكي جاء في أغلب الأحيان محدودًا ومحسوبًا، تجنبًا للانزلاق نحو حرب شاملة. هنا تحديدًا بدأت صورة الردع الأمريكي تتآكل تدريجيًا؛ لأن الردع لا يقوم فقط على امتلاك القوة، بل على استعداد استخدامها في الوقت المناسب وبالقدر الذي يجعل الخصم يخشى العواقب.
الإدارة الأمريكية تدرك اليوم أنها أمام معضلة معقدة. فهي لا تريد حربًا واسعة مع إيران قد تشعل المنطقة بالكامل، وفي الوقت نفسه لا تستطيع تجاهل الهجمات المتكررة على قواعدها وقواتها، لأن تجاهلها يبعث برسالة ضعف إلى الخصوم والحلفاء معًا.
الأخطر بالنسبة لواشنطن أن إيران نجحت في إدارة صراع طويل النفس يعتمد على الاستنزاف، وليس المواجهة المباشرة. فبدلًا من الدخول في حرب تقليدية، اعتمدت طهران على شبكة واسعة من الحلفاء والتنظيمات المسلحة المنتشرة في عدة جبهات، ما جعل أي رد أمريكي يبدو وكأنه مطاردة للظلال، لا مواجهة مع مركز القرار الحقيقي.
ولهذا تبدو الولايات المتحدة الآن أمام “وقفة مراجعة كبرى” فعلًا. مراجعة تتعلق بشكل انتشارها العسكري، وطبيعة قواعدها، وحجم قواتها، وحتى مفهوم الردع ذاته. فالقواعد الضخمة الثابتة أصبحت أهدافًا سهلة نسبيًا في عصر المسيّرات الدقيقة والصواريخ منخفضة التكلفة، بينما تكلفة الدفاع عنها تزداد بصورة هائلة.
كما أن واشنطن بدأت تدرك أن التفوق العسكري وحده لم يعد كافيًا لفرض الهيمنة السياسية. فالعالم يتغير، والخصوم تعلموا كيف يتحركون تحت سقف الحرب الشاملة دون تجاوز الخط الأحمر الذي يدفع أمريكا إلى مواجهة مفتوحة.
وفي المقابل، فإن حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة يراقبون المشهد بقلق واضح. لأن أي اهتزاز في صورة الردع الأمريكي يفتح الباب أمام أسئلة أكبر تتعلق بمستقبل التحالفات، وضمانات الحماية، وقدرة واشنطن على إدارة التوازنات الإقليمية كما كانت تفعل سابقًا.
المشهد الحالي لا يعني نهاية النفوذ الأمريكي، لكنه بالتأكيد يشير إلى نهاية مرحلة كانت فيها واشنطن تتحرك باعتبارها القوة التي لا تُردع. أما الآن، فالمعادلات أصبحت أكثر تعقيدًا، والخصوم أكثر جرأة، والمنطقة كلها تقف على حافة إعادة تشكيل موازين القوة بصورة غير مسبوقة

.jpg)




